مهاب محمد
لا يُولَد الفنُّ من الألم بقدر ما يُولَد من القدرة على تحويله. فالمعاناة خبرةٌ إنسانيةٌ قد يعيشها الجميع، لكنها لا تصبح فنًّا إلا حين تُعاد صياغتُها في عملٍ يتجاوز صاحبه إلى الآخرين. غير أن الثقافة المعاصرة أعادت ترتيب هذه العلاقة؛ فلم تعد قيمة العمل تُستمَدُّ، في كثيرٍ من الأحيان، من نجاحه في تحويل التجربة إلى معنى، وإنما من قدرة صاحبه على تقديم معاناته بوصفها مصدرًا لشرعيته الفنِّية. ومن هنا يطرح هذا المقال سؤالًا: كيف تحوَّلت أسطورة «الفنَّان المُعذَّب» من تصوّرٍ رومانسيٍّ عن الإبداع إلى آلية ثقافية وتسويقية تمنح الألم قيمةً قد تفوق قيمة العمل نفسه؟
من التجربة إلى العمل: الفنُّ بوصفه فعل تحويل!
في كتابه «ضرورة الفن» يرفض إرنست فيشر النظر إلى الفنِّ بوصفه انعكاسًا مباشرًا لمعاناة الإنسان، ويرى أن قيمة الإبداع تكمن في القدرة على إعادة تشكيل المعاناة داخل بناءٍ جماليٍّ، ومن هنا يطرح سؤالًا: لماذا يحتاج الإنسان إلى الفنِّ أصلًا؟ هل هو مجرد تعويض عن نقص في الواقع، أم أنه حاجة إنسانية أعمق لا تنتهي حتى لو أصبح الواقع أكثر اكتمالًا؟
فالفنُّ، في نظره، لا يُولَد لأن الإنسان يتألَّم، وإنما لأنه لا يكتفي بأن يعيش تجربته كما هي. والإنسان، بطبيعته، يسعى إلى تجاوز حدود حياته الفردية، وإلى منح تجاربه معنى يتجاوز لحظتها العابرة. ومن هنا، تصبح التجربة الفنِّية إعادة تشكيلٍ للحياة؛ أي انتقالًا من الانفعال إلى التأمل، ومن الفوضى إلى الشكل، ومن المعاناة إلى المعنى.
ولعلَّ الفكرة الأهم التي يطرحها فيشر تكمن في أن الفنَّان لا يتميَّز عن غيره بامتلاك جِراحٍ أعمق، وإنما بامتلاك القدرة على السيطرة على هذه الجراح، فهو يُبدع بعد أن تنتهي التجربة وتصير شيئًا يمكن الإمساك به وإعادة صياغته. ولذلك يؤكِّد فيشر أن الفنَّان الحقيقي يحوِّل التجربة إلى ذكرى، والذكرى إلى تعبير، والمادة الخام إلى شكلٍ جماليٍّ. وما يبدو في العمل الفنِّي من عفويةٍ أو تدفُّق ليس إلا نتيجة عملية طويلة من التحكُّم في المادة النفسيَّة.
من هنا، يمكن القول إن الفنَّ يبدأ عندما تكفُّ المعاناة عن فرض سيطرتها على الفنَّان. فلا يصبح السؤال: لماذا يُولَد الفنُّ من الألم؟ بل: كيف ينجح الفنُّ في إنهاء هيمنة الألم؟ فالفنُّ هو إعلانُ الانتصار على المعاناة، وليس احتفاءً بها.
من الميلانخوليا إلى الرومانسية: ولادة أسطورة الفنَّان المُعذَّب
الميلانخوليا (الحزن)، للفنان النرويجي إدفارد مونك، 1892.
تُعبِّر كلمات فيشر عن إرثٍ ثقافيٍّ طويلٍ جعل العلاقة بين العبقرية والمعاناة تبدو وكأنها حقيقة بديهية وشرطيةُ بقاءٍ، فمنذ قرون يُنظَرُ إلى الألم بوصفه المعنى الذي تتشكَّل منه العبقرية ذاتها، وقد ترسَّخت هذه النظرة مع الزمن!
وهنا يمكن أن نعود إلى التراث اليوناني، حيث البدايات الأُولى لهذه الفكرة، ولا سيَّما إلى كتاب «المسائل» المنسوب إلى أرسطو والذي يطرح فيه السؤال الشهير: لماذا يغلب على الفلاسفة والشعراء والفنَّانين المِزاجُ الميلانخولي؟ وفي الواقع، العلاقةُ الأوثق إنّما هي بين الحساسية النفسية والقدرة على الإبداع والتأمل؛ فالحساسية هي المركز، والميلانخوليا أثرٌ متفرِّعٌ عنها قد يرافق بعض المبدعين، لا شرطٌ للإبداع.
غير أن هذه الفكرة شهدت تحوّلاً جذريًّا مع صعود الحركة الرومانسية في أواخر القرن الثامن عشر؛ فقد احتفى الرومانسيون بالفرد الاستثنائي والعاطفة الجامحة والتمرُّد على المجتمع، حتى أصبح الفنَّان يُقدَّم بوصفه شخصية تعيش على هامش العالم وتُعاني اغترابًا لا يفهمه الآخرون، ومع هذا التحوّل لم تعد المعاناة تجربة إنسانية قد ترافق الإبداع، وإنما علامة على أصالته، وأصبح الألم دليلًا على عمق الفنَّان، لا مجرد ظرف من ظروف حياته.
وقد كانت هذه الصورة الرومانسية للفنَّان من أبرز ما وجَّه إليه إرنست فيشر نقدَه، الذي رأى أن اختزال الإبداع في التجربة الفردية المنعزلة يعزل الفنَّان عن واقعه الاجتماعي والتاريخي، ويُغفِل أن الفنَّ فعلٌ إنسانيٌّ يتشكَّل داخل شروط اجتماعية بقدر ما يتشكَّل داخل الخبرة الذاتية.
غير أن تجاوز المنظور الاجتماعي الذي ينطلق منه فيشر لا يلغي الإشكال نفسه؛ فقد بقيت صورة الفنَّان المُعذَّب حاضرةً في الثقافة الحديثة، وإن تغيَّرت الآليات التي تُعيد إنتاجها، وذلك سواء داخل الخطابات التي مجَّدت صورة الفنَّان الفرد، أو داخل السوق الثقافية المعاصرة، التي أعادت إنتاج هذه الصورة بأشكال مختلفة، وجعلت من الألم الفردي موردًا لإنتاج القيمة والاهتمام.
ومن أبرز ما رسَّخ هذه الصورة في المخيِّلة الثقافية هو استحضارُ السِّيَر الذاتية للفنَّانين، حتى غدت أسماء مثل «فان جوخ» أو «سيلفيا بلاث» أو حتى «فيرجينيا وولف» تستدعي مآسيهم الشخصية بالقدر نفسه الذي تستدعي به أعمالهم، فتحوَّلت العلاقة بين الإبداع والمعاناة من ملاحظة تاريخية قابلة للنقاش إلى أسطورة ثقافية أعادت تفسير نجاح الفنَّانين من خلال جراحهم أكثر فنِّهم.
ولم تكن المشكلة في استحضار المآسي في ذاتها؛ فالسيرة الذاتية تظلُّ جزءًا من تاريخ العمل الفنِّي وظروف إنتاجه، وقد تساعد على فهم سياقه. وإنما تكمن المشكلة في اقتران هذه السِّيَر بخطابٍ رومانسيٍّ منح المعاناة قيمة جمالية في ذاتها، حتى غدا الألم دليلًا على الأصالة وعمق التجربة الفنية.
ولهذا نجد أنه لا تعتمد قيمة كثير من الأعمال الكلاسيكية على السيرة الشخصية كما حدث لاحقًا مع صورة الفنَّان الرومانسي ومن ارتبطت صورتهم الثقافية بالمعاناة، فالفارق لا يكمن في وجود المأساة أو غيابها، بل في أن الرومانسية حوَّلت ظرفًا تاريخيًّا خاصًّا إلى معيارٍ جماليٍّ تجاوز سياقه، وأصبح يُستدعَى لاحقًا للحكم على الفنَّانين وأعمالهم، كما كانت الأكاديمية الكلاسيكية في زمنها تفرض معاييرها الخاصة على الفنِّ.
لذا وإن كانت الرومانسية قد رسَّخت من صورة الفنَّان المُعذَّب في المخيِّلة الثقافية، فإن التحليل النفسي حاول أن يمنحها تفسيرًا نظريًّا، وذلك بفارقٍ جوهريٍّ؛ فبينما نظرت الرومانسية إلى الألم بوصفة علامةً على العبقرية عاد فرويد إلى سؤال أرسطو الأول، متسائلًا عن الكيفية التي تتحوَّل بها التجربة المؤلمة إلى بناءٍ جماليٍّ، وهكذا ينتقل النقاش من تمجيد المعاناة إلى فهم آليات تحويلها!
فرويد والتسامي: كيف يتحوَّل الألم إلى إبداع؟
يرى سيغموند فرويد أن الإنسان تُحرِّكه -إلى جانب أفكاره الواعية- دوافع ورغبات لا شعورية، كثيرٌ منها لا يجد طريقه إلى الإشباع المباشر بسبب القيود الأخلاقية والاجتماعية. غير أن هذه الطاقة النفسية لا تختفي، وإنما تتحول عبر ما يسميه «التسامي» إلى إنتاجاتٍ ثقافية كالفنِّ والأدب والموسيقى. فالفنُّ، وفق هذا التصور، هو إعادةُ توجيهٍ للمعاناة نحو بناءٍ جماليٍّ، حتى وإن لم يكن التسامي هو التفسير الوحيد للإبداع. ومن هذا المنطلق، يكون العمل الفنِّي إعادةَ بناءٍ للألم داخل نظام من الرموز والصور والأشكال، وتتجلَّى قيمته في تحويل التجربة الشخصية إلى تجربةٍ إنسانيةٍ مشتركة.
وفي مقالته «المبدعون وأحلام اليقظة» يوضح فرويد أن الفنَّان، بخلاف من يعيش خيالاته في عزلة، يمتلك القدرة على تحويل رغباته وصراعاته إلى عمل يمنح الآخرين المتعة والتأمل، فيصبح ما هو فرديٌّ وخاصٌّ تجربةً قابلةً للمشاركة. ومع ذلك، لا ينبغي فهم فرويد على أنه يربط الإبداع بالاضطراب النفسي ربطًا حتميًّا؛ فالمعاناة ليست شرطًا للفنِّ، والمرض النفسي ليس مصدرَ العبقرية. ما يميِّز الفنَّان، في تصوّره، هو قدرته على تحويل الصراع الداخلي إلى بناءٍ جماليٍّ بدلًا من أن يتحوَّل إلى عَرَضٍ مَرضيٍّ.
ومن هنا يلتقي فرويد مع إرنست فيشر، رغم اختلاف منطلقاتهما؛ فإذا كان فيشر يرى أن الفنَّ فعلٌ للسيطرة على التجربة وإعادة تشكيلها، فإن فرويد يفسِّر الآليَّة النفسيَّة لهذا التحوّل عبر مفهوم التسامي. وفي الحالتين، قيمةُ الفنِّ في تجاوز المعاناة لا في عرضها، بحيث يصبح الجرح مادةً خضعت لسلطة الفنَّان وتحوَّلت إلى عملٍ مستقلٍّ عن الألم الذي أنجبه.
اكتمال التحوّل: هل ينبغي ألَّا يشرح الفنَّان آلامه؟

بلا أمل، للفنانة المكسيكية فريدا كاهلو، 1945.
إذن، لا تنبع قيمة العمل الفنِّي من كونه وُلِدَ في ظروف قاسية، وإنما من نجاحه في إعادة تشكيل تلك الظروف داخل بناءٍ جماليٍّ مستقلٍّ، فالمعاناة هي المادة الأوليَّة للعمل وليست العمل نفسه، وما يقدِّمه الفنَّان في النهاية هي الصورة الجديدة التي اكتسبها الألم بعد أن خضع للتأمل والصياغة وعملية الخلق.
لذلك لا يطلب الفنُّ من المتلقِّي أن يتخيَّل ما عاشه الفنَّان من آلام، ويكتفي بأن يُقدِّم له تجربةً مكتملةً قادرةً على التأثير فيه حتى لو جهل كل شيء عن حياة صاحبها. وقد تساعد السيرة الذاتية على فهم ظروف الإنتاج أو تطور رؤية الفنَّان، لكنها لا تمنح العمل قيمته؛ إذ تظل القيمة الجمالية كامنة في العمل نفسه، لا في الحكاية التي تُروى عنه.
ومن هنا، فإنَّ العمل الذي يحتاج إلى التعاطف مع صاحبه كي يكتمل أثره، يكون قد نقل مركز الثقل من الفنِّ إلى السيرة، فحين يصبح الجرح مكمِّلًا للعمل، لا جزءًا ذاب فيه، يغدو المتلقِّي مدفوعًا إلى الحكم على الفنَّان أكثر من انشغاله بالحكم على العمل، وكأن التجربة لم تُستوعَب بالكامل داخل بنيته الفنيَّة، والأصل أن يكون العمل قائمًا بنفسه، فلا يحتاج إلى سيرة صاحبه ولا إلى شرحٍ من خارجه. ولهذا فإنَّ الاعتراف الشخصي يختلف عن العمل الفنِّي؛ فالاعتراف يكتفي بسرد ما وقع ويطلب من المتلقِّي التعاطف مع صاحبه، أمَّا الفنُّ فيعيد تنظيم التجربة داخل لغة ورمز وشكل، بحيث تتحول من خبرةٍ فرديةٍ إلى معنًى إنسانيٍّ قابلٍ للمشاركة. ولا يعني ذلك أن كل عمل يستند إلى تجربة شخصية، كالشِّعر الاعترافي أو أدب الشهادة، يفتقر إلى القيمة الفنِّية. فهذه الأعمال تستمدُّ قوَّتها من قدرتها على تحويل التجربة الفردية إلى بناءٍ جماليٍّ ومعرفيٍّ يتجاوز خصوصيتها. لكن المشكلة تبدأ حين تصبح التجربة، لا الكيفية التي أُعيد تشكيلها بها، هي مصدر القيمة، أو حين تتحوَّل المعاناة إلى مُبرِّر يسبق العمل ويمنحه شرعيته قبل أن يُقرأ. ومن ثمَّ، لا يكون كلُّ اعترافٍ فنًّا، مهما بلغ صدقه.
إنَّ جوهر الفن يكمن في تحويل الألم إلى تجربة تتجاوز صاحبها. فالفنَّان يروِّض انفعاله ويُعيد تشكيله حتى يصبح لغةً مُشترَكة، وما يلقاه المتلقِّي ليس الجرح في لحظة نزفه، وإنما أثره بعد أن تحرَّر من خصوصيته وأصبح قادرًا على حمل معنًى إنسانيٍّ أوسع.
السوق الحديث واستهلاك المعاناة: الفنُّ غير المرئي وغياب المأساة

دخول المسيح إلى بروكسل عام 1889، للفنان البلجيكي جيمس إنسور، 1888.
وهكذا انتقلت المعاناة من كونها مادةً خامًا للإبداع إلى رأس مالٍ رمزيٍّ يمنح الفنَّان شرعية وأصالة. ويتيح مفهوم «رأس المال الرمزي» لدى بيير بورديو فهم هذا التحول؛ فالقيمة داخل الحقل الثقافي تُنتجها أشكال الاعتراف التي يمنحها النقَّاد والمؤسسات والجمهور للفنَّان، وليست جودة العمل وحدها.
ومن هذا المنظور، قد تتحوَّل التجربة الشخصية إلى مورد يُراكم الاعتراف ويُعزِّز مكانة صاحبه. وعندما تُمنح المعاناة هذه القدرة على إنتاج الشرعية، يصبح الألم جزءًا من اقتصاد القيمة الثقافية، لا مجرد تجربة شخصية سبق للعمل أن تجاوزها. فيصير السؤال: ما الذي عاناه صاحبه؟ بدلًا من: ماذا أنجز هذا العمل؟
على الجانب الآخر أصبح الجمهور أحد العوامل الرئيسة التي غذَّت هذا النمط من التلقِّي. ووراء هذا التحوّل افتراضٌ ثقافيٌّ يكاد يكون غير مُعلَن، مفاده أن المعاناة هي التي صنعت عظمة الفنَّانين الخالدين، فحين يُذكَر اسم «فان غوخ» أو «سيلفيا بلاث» أو «فيرجينيا وولف»، تُستعاد مآسيهم الشخصية إلى جانب أعمالهم، وكأن الألم هو المصدر الحقيقي لعبقريتهم، ومن هنا نشأ جمهور ينتظر من الفنَّان المعاصر جرحًا يوازي جرح أسلافه، ويبحث في سيرته عن الصدمة قبل أن يبحث في عمله عن المعنى.
وقد يبدو هذا، للوهلة الأولى، انتصارًا للفن، ففي زمن يشتكي فيه الفنَّانون من قلَّة اهتمام المجتمع، استطاعت التجربة الشخصية أن تُعيد الجمهور إلى المجال الفنِّي. لكنَّ المفارقة أن ما عاد إليه الجمهور لم يكن الفنَّ بقدر ما كان حياة الفنَّان. لقد أصبح الألم هو بوابة التلقِّي، وأصبح العمل، في أحيان كثيرة، مجرد شاهد على صدق المعاناة لا على اكتمالها الفنِّي!
ويمكن ملاحظة ذلك في الكيفية التي يُقدَّم بها فان جوخ في الثقافة الشعبية المعاصرة؛ فكثيرٌ من الكتب والأفلام والمعارض تبدأ بقصة قطع أذنه، وفقره، وانتحاره، قبل أن تتناول مشروعه التشكيلي أو لغته البصرية. وبذلك تصبح السيرة مدخلًا إلى العمل، لا مجرد سياق لفهمه، حتى يبدو وكأن معرفة المأساة شرط لتقدير اللوحات، مع أن قيمتها الجمالية لا تستمد مشروعيتها من تلك السيرة، بل من منجزها الفني نفسه.
ولا يمكن فهم هذا التحوّل بمعزل عن اقتصاد الانتباه الذي يحكم الثقافة الرقمية اليوم؛ فالمنصَّات لا تكافئ العمل الفنِّي بقدر ما تكافئ القصة التي يمكن أن تُروى حوله. والسيرة الشخصية، بما تحمله من اعترافات وصدمات، أكثر قدرة على إثارة التفاعل وإبقاء الجمهور في حالة متابعة من العمل الفني ذاته، لأنها تمنح المتلقِّي إحساسًا بالوصول إلى «الحقيقة» الكامنة خلف الإبداع.
ومع تكرار هذا النمط، أصبح الفنَّان مُطالَبًا بإنتاج سردية مستمرة عن جراحه، وكأن حضوره في المجال العام أصبح مرهونًا بقدرته على إبقاء ألمه حاضرًا وقابلًا للاستهلاك، وهكذا، يتحوَّل الجرح من تجربة يسعى الفن إلى تجاوزها إلى مورد رمزي متجدِّد، يُعاد استثماره كلما خَفَتَ بريقُ العمل نفسه.
وهنا تنقلب وظيفة الفن على نفسها، فبدلًا من أن يكون وسيلة لتحويل التجربة والسيطرة عليها، يصبح وسيلة لإبقائها حية وقابلة للاستهلاك، والأسوأ من ذلك أن ما كان يُنظر إليه يومًا بوصفه فنًّا مهمَّشًا أو غير مرئي، وجد جمهورًا واسعًا عبر السيرة الشخصية، حتى أصبحت المفارقة أن غير المرئي اليوم هو الفنَّان الذي لا يملك مأساةً يرويها، أو يرفض أن يجعل من جراحه مادةً للعرض، حتى وإن كان عمله يتمتع بالجودة. وكأن الثقافة المعاصرة لم تعد تمنح القيمة لمن نجح في تجاوز ألمه، بل لمن يستطيع أن يقدمه باستمرار أمام جمهوره.
خاتمة
تكشف أسطورة الفنَّان المُعذَّب عن تحوّل في طريقة تلقِّي الفنِّ أكثر مما تكشف عن طبيعة الإبداع نفسه. فالفنُّ لا يكتسب قيمته من الجرح الذي سبقه، وإنما من نجاحه في تحويل هذا الجرح إلى شكلٍ ومعنى. وحين تصبح المعاناة مصدر الشرعية، ويغدو العمل مجرد شاهدٍ عليها، ينتقل مركز الثقل من الإبداع إلى السيرة، ومن الفنِّ إلى استهلاك الفنَّان. وعندها نفقد معيار الحكم على الأعمال، ونفقد أيضًا الثقة في قدرة الفن على تجاوز الألم بدلًا من الاكتفاء بعرضه.

